رئيس مجلس الإدارة عفاف رمضان
رئيس التحرير سيد بدري
المدير التنفيذي علي شقران
إشراف عام أسامه حسان

الإرتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه الصحابة لمعنى العبادة

الثلاثاء 13 مارس 2018 - 2:29 PM |عدد مشاهدات :194
صورة ارشيفية
طباعة
حسن عبد المنعم

قال الشيخ محمد الغزالي في فقه السيرة : وسر الارتقاء الروحي والجماعي الذي أدركه صحابة محمد أنهم كانوا موصولين بالله على أساس صحيح، فلم يشعروا في العمل له بما يشعر به الكثيرون من عنت وتكلف، ولا بما يعانون من شرود وحيرة.
هناك طبيعتان في الإنسان غير منكورتين: الإعجاب بالعظمة، والعرفان بالجميل، فعندما ترى آلة دقيقة أو جهازاً عجيباً أو صورة رائعة أو مقالاً بليغاً فإنك لا تنتهي من تبين حسنه حتى تنطوي جوانحك على الإعجاب بصاحبه، فإن الذكاء العميق والاقتدار البارز يجعلانك تهتز من تلقاء نفسك احتراماً للرجل الذكي القدير!.
وكذلك عندما يسدى إليك معروف أو تمتد يد إليك بنعمة إنك تذكر هذا الصنيع لمن تطوع به، وعلى ضخامة ما نلت من خير يلهج لسانك بالثناء ويمتلىء فؤادك بالحمد، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني، والضمير المحجبا!!

ورسول الإسلام جاء يثير هاتين الطبيعتين نحو أحق شيء بهما، ألست تعجب بالعظمة وتحتفي بصاحبها! ألست تقدر النعمة وتشكر مسديها!
إنك ترمق بإجلال مخترع الطيارة، وكلما رأيتها تشق الفضاء زدت إشادة بعبقريته! فما رأيك فيمن يدفع الألوف المؤلفة من الكواكب تطير في جو السماء من غير توقف ولا عوج! وما رأيك فيمن خلق عقل هذا المخترع، وأودع في تلافيف مخه الذكاء الذي وصل به إلى ما راعك واستثار إعجابك؟
أليس ربك ورب كل شيء أحق بأن تعرف عظمته وتفتح عيونك على آثار قدرته...؟
فإذا عرفت عظمته من عظمة الوجود الذي يحيط بك خجلت من التهجم عليه ونسبة مالا يليق إليه!! وقلت مع العارفين: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
إنك لو استضافك شخص كريم ورأيت البشاشة في وجهه والسماحة في قراه حفظت له -ما حييت- هذه المنة، وسعيت جهدك كي تكافئه عليها، وحدثت من تعرف بسجايا هذا المضياف الكريم، فما رأيك فيمن تولى أمرك بنعمائه من المهد إلى اللحد؟ فأنت لا تطعم إلا من رزقه، ولا تكسى إلا من ستره، ولا تأوي إلا إلى كنفه، ولا تنجو من شدة إلاّ بإنقاذه...!!
إن محمداً (صلَّى الله عليه وسلم) وصل الناس بربهم على ومضات لطاف من تقدير العظمة ورعاية النعمة، فهم إذا انبعثوا لطاعته كانوا مدفوعين إلى أداء هذه الطاعات بأشواق من نفوسهم ورغبات كامنة تجيش بتوقير العظيم وحمد المنعم...
والعبادة ليست طاعة القهر والسخط، ولكنها طاعة الرضا والحب!
والعبادة ليست طاعة الجهل والغفلة، ولكنها طاعة المعرفةوالحصافة!
قد تصدر الحكومة أمراً بتسعير البضائع فيقبل التجار كارهين؛ أو أمراً بخفض الرواتب فيقبل الموظفون ساخطين.
وقد تشير إلى البهيمة العجماء فتنقاد إليك لا تدري إلى مرتعها تسير أم إلى مصرعها.
تلك أنواع من الطاعات بعيدة عن معنى العبادة التي شرع الله للناس، فالعبادة التي أجراها الله على الألسنة في الآية الكريمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} والتي جعلها حكمة الوجود وغاية الأحياء في قوله:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي}.
تعني الخضوع المقرون بالمعرفة والمحبة، أي الناشىء عن الإعجاب بالعظمة والعرفان للجميل..

شارك

التعليقات